فخر الدين الرازي
207
القضاء والقدر
بعضها لبعض ، تأديها بالآخرة إلى هذا الفعل - على هو مذهبنا ، وقولنا خاصة - ويحتمل أن يكون المراد منه : علم اللّه تعالى بوقوع ذلك الفعل ، أو حكمه بوقوعه . وعلى جميع التقديرات ، فقد بينا : أن العبد لا استقلال له بالفعل والترك . الحجة الحادية والعشرون : ما روى أبو موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض . فجاء بنو آدم على قدر الأرض . منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر . ومن ذلك السهل والحزن والخبيث والطيب » « 1 » واعلم : أن هذا إشارة إلى ما بينا من اختلاف الأمزجة . فوجب اختلاف الأخلاق والأفعال والعقائد . فمن كانت الصفراء عليه أغلب ، كان الغضب والسبعية والقسوة عليه أغلب . ومن كان البلغم عليه أغلب ، كان السكون والهدوء والبلادة عليه أغلب . الحجة الثانية والعشرون : ما روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ أقبل أبو بكر وعمر ، ومعهما قوم من الناس ، قد ارتفعت أصواتهم . فكف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحديث وتسمع . فلما دنوا ، جاء أبو بكر فسلم على رسول اللّه وجلس إلى جنبه ، ثم جاء عمر وسلم وجلس بعيدا منه . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : « ما هذا الذي ارتفعت أصواتكم فيه ؟ » قال بعض القوم : يا رسول اللّه تكلم أبو بكر وعمر ، واختلفا فاختلفنا باختلافهما . قال : « وما ذاك ؟ » قالوا : في القدر قال أبو بكر : يقدر اللّه الخير ولا يقدر الشر . وقال عمر : بل يقدرهما . فتبع بعض القوم أبا بكر ، وبعضهم عمر . فقال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كيف قلت يا أبا بكر ؟ » قال : قلت الحسنات من اللّه ، والسيئات من أنفسنا . فأعرض عنه . ثم أقبل على عمر ، وقال : « كيف قلت يا عمر ؟ » قال : قلت : الحسنات والسيئات كلها من اللّه . قال فانبسط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى عرف البشر في وجهه . وقال : « والذي بعثني بالحق ، لأقضي بينكما بما قضى به إسرافيل ، بين جبريل وميكائيل » فقال بعضهم : أو تكلم فيه جبريل وميكائيل ؟ فقال : « والذي نفس محمد بيده إنهما لأول الخلائق تكلما فيه . أما جبريل فقال : مثل مقالتك يا عمر ، وأما ميكائيل فقال مثل مقالتك يا أبا بكر . فتحاكما إلى إسرافيل ، فقضى بينهما قضاء هو قضائي بينكما » قالوا : يا رسول اللّه فما كان من قضائه ؟ قال : « قضى إسرافيل بينهما بأن الخير والشر من اللّه . وهذا قضائي بينكما » ثم قال : « يا أبا بكر لو أراد اللّه أن لا يعصى في أرض أحد ، لم يخلق إبليس » « 2 » .
--> ( 1 ) الحديث رواه الترمذي في التفسير باب ومن سورة البقرة ( 5 / 204 رقم 2955 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . وأبو داود في السنة باب في القدر ( 4 / 221 رقم 4693 ) ؛ وأحمد ( 4 / 400 و 406 ) وأخرجه الحاكم ( 1 / 261 و 380 ) والبيهقي ( الفتح الكبير 1 / 333 ) . ( 2 ) الحديث رواه الطبراني في الأوسط عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنه وروى البزار نحوه . قال الحافظ الهيثمي : « وفي إسناد الطبراني عمر بن الصبح وهو ضعيف جدا . وشيخ البزار السكن بن سعيد ولم أعرفه . وبقية رجال البزار ثقات -